السيد نعمة الله الجزائري

118

الأنوار النعمانية

ومن تقرب اليّ ذراعا تقربت اليه باعا ، فإذا وقعت المقاربة منحه اللّه الألطاف الإلهية حتى لا يكون عاملا الا بما كان موافقا لرضاه فهو سبحانه الذي يتصرف في أعضائه وجوارحه ويجريها في مجرى طاعته وارادته ، فهو الذي يسمعه وهو الذي ينصب عينيه لمشاهدة آثاره وعالم ملكوته ، وهو تعالى الذي ينطق لسانه بكلماته وعباداته إلى غير ذلك . وهذه المرتبة تسمى عند السالكين الفناء في اللّه وسيأتي تحقيقها ان شاء اللّه تعالى عند تحقيق مراتب السلوك ، وإلى ما ذكرنا يشير كلام سيد السالكين مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانيّة بل قلعتها بقوة ربّنيّة ، وذلك أنه عليه السّلام قد أفنى قوّته البشرية في الطاعات والعبادات فأعطاه تعالى قوة ربّانية بها قدر على ما يعجز عنه قوة البشر ، ومن هذا قال عليه السّلام عرفت اللّه بفسخ العزائم ، وقال أيضا ان قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء ، ومن نظائر ما سبق ما ذكره ابن الجوزي في تاريخه . قال لمّا تزوجت ليلى جاء المجنون إلى زوجها وهو يصطلي في يوم شاة فوقف وقال له : بربك هل ضممت إليك ليلى * قبيل الصبح أو قبّلت فاها وهل رفّت عليك قرون ليلى * رفيف الأقحوانة في نداها فقال اللهم إذ خلقتني فنعم ، فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر فما فارقهما حتى سقط مغشيا عليه ، فسقط الجمر مع لحم راحتيه وتوفي سنة سبعين من الهجرة . وحكى بعض الثقاة قال اجتزت في بعض أسفاري بحي بني عذرة ، فنزلت في بعض بيوته ، فرأيت جارية قد ألبست من الجمال حلية الكمال فأعجبني حسنها وكلامها ، فخرجت في بعض الأيام ادور في الحي وإذا انا بشاب حسن الوجه وعليه أثر الوجد وأضعف من الهلال وانحف من الخلال ، وهو يوقد نارا تحت قدر ويردد أبياتا ودموعه تجري على خدّيه ، فمّما حفظت منه قوله : فلا عنك لي صبر ولا فيك حيلة * ولا عنك لي بدّ ولا عنك مهرب ولي ألف باب قد عرفت طريقها * ولكن بلا قلب إلى اين اذهب فلو كان لي قلبان عشت بواحد * وأفردت قلبا في هواك يعذب فسألت عن الشاب وشأنه ، فقيل يهوى الجارية التي أنت نازل في بيتها وهي محتجبة عنه منذ أعوام ، قال فرجعت إلى البيت وذكرت لها ما رأيت ، فقالت ذاك ابن عمي ، فقلت لها يا هذه للضّيف حرمة فنشدتك باللّه الا ما متّعته بالنظر إليك في يومك هذه ، فقالت صلاح حاله في أن لا يراني ، قال فحسبت ان امتناعها ظنّة منها ، فما زلت اقسم عليها حتى أظهرت القبول وهي